الشيخ فاضل اللنكراني
81
مدخل التفسير
الأرض والمثبت لها موردا للإهانة والتعذيب والتحقير ، مع جلالته العلميّة ، ومقامه الشامخ ، لم يصرّح القرآن بذلك حذرا من ترتب النتيجة المعكوسة عليه ، وحصول نقض الفرض بسببه ، بل أشار إلى ذلك بإشارات لطيفة ، وايماءات بليغة ليهتدى إليها البشر في عصر توفر العلم والاكتشاف ، فيعتقد بأن هذا الكتاب نازل من عند اللّه المحيط بحقايق الأشياء ، والعالم باسرار الكون ، ورموز الخليقة ، وقد تحققت هذه الإشارة في ضمن آيات كثيرة : كقوله تعالى في سورتي طه والزخرف 53 ، 10 : « الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً » فإنه تعالى قد استعار لفظ « المهد » للأرض ، ومن البيّن أن الخصوصية المترقبة من المهد ، المعدّ للرضيع ، والمصنوع لأجله ، والجهة الملحوظة الّتي بها يتقوم عنوان المهدية ليست هي الوضع الخاصّ ، والشكل المخصوص الحاصل من تركيب موادّ مختلفة ، وضم بعضها إلى بعض ، بل الخصوصية هي حركة المهد وانتقاله من حال إلى حال . ففي الآية الشريفة إشارة لطيفة إلى حركة الأرض ، من جهة استعارة لفظ المهد لها وانه كما أن حركة المهد لغاية تربية الطفل واستراحته ، كذلك حركة الأرض تكون الغاية لها تربية الموجودات من الانسان وغيره . وقوله تعالى في سورة الملك 15 : « هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها » . فإنه تعالى قد استعار لفظ « الذلول » للأرض ، مع أنّه عبارة عن نوع خاص من البعير ، ويكون امتيازه بسهولة انقياده ، ففيه إشارة إلى أن الخصوصية الموجودة والذلول ، الّتي ليست لغيره ثابتة في الأرض ، فهي أيضا متحركة بحركة ملائمة للراكب عليها ، الماشي في مناكبها . ومن البين أنه مع قطع النظر عن هذه الخصوصية - وهي خصوصية الحركة - يكون اطلاق لفظ الذلول على الأرض واستعارته لها ليس له وجه ظاهر حسن ، خصوصا مع تفريع الامر بالمشي عليه ، وإطلاق لفظ المنكب